الرؤية التركية لسوريا ما بعد الأسد: بين استراتيجيات الأمن ومشاريع النفوذ الإقليمي

تستعرض الدراسة التحول في الموقف التركي بعد سقوط نظام الأسد، حيث تسعى أنقرة إلى بناء دولة سورية مركزية مستقرة غير معادية، مع استخدام أدواتها الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية لضمان نفوذ دائم. كما تناقش مواقف الأحزاب التركية، دور الجيش الوطني السوري كأداة نفوذ، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل سوريا
تتناول الدراسة الرؤية الاستراتيجية التركية لمستقبل سوريا عقب انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024، وتعتبر أنقرة نفسها مهندسًا رئيسيًا لـ"اليوم التالي" في سوريا. ترتكز الاستراتيجية الرسمية التركية على ثلاث ركائز: الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومنع أي مشروع فدرالي كردي، القضاء على "الإرهاب" ممثلًا بحزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب، وضمان عودة اللاجئين بشكل طوعي ومنظم. وتوظّف تركيا أدوات متعددة: دعم مباشر للمعارضة والجيش الوطني السوري، الوجود العسكري والاستخباراتي، والإدارة الاقتصادية والثقافية للمناطق الشمالية عبر التبعية لليرة التركية، المجالس المحلية، والمناهج التعليمية المعدلة.
كما تعرض الدراسة انقسام المشهد السياسي التركي: التحالف الحاكم (العدالة والتنمية والحركة القومية) يتبنى نهجًا أمنيًا صارمًا، بينما المعارضة (الشعب الجمهوري، الحزب الجيد) تركز على ملف اللاجئين وترى في التدخل عبئًا اقتصاديًا. في المقابل، يقدم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الكردي سردية مضادة تدعو لفيدرالية معترف بها. أما مراكز الفكر التركية فتتنوع رؤاها بين الأيديولوجي (SETA)، البراغماتي (ORSAM)، الأطلسي الليبرالي (EDAM)، والقومي الواقعي (BILGESAM)، ما يعكس تعددية في صياغة السياسات.
وتختتم الدراسة باستعراض ثلاثة سيناريوهات مستقبلية: (1) تسوية كبرى بوساطة أميركية وموافقة روسية ضمنية تؤدي إلى دولة موحدة، (2) تكريس تقسيم فعلي لمناطق النفوذ التركية والكردية والروسية والإسرائيلية، و(3) انهيار أمني يعيد البلاد إلى حرب أهلية متعددة الأطراف. وتؤكد أن نجاح تركيا في تحويل سوريا إلى أصل استراتيجي مستقر مرهون بقدرتها على الموازنة بين قوتها الصلبة ومتطلبات الشمولية السياسية، وبإدارة علاقتها المعقدة مع واشنطن، موسكو، طهران وتل أبيب.